لم يهيئنا أحد على التعامل مع قصص قد تترك آثار نفسية تتضح خلال سنوات قادمة.

تغطية الملف السوري أرخت بثقلها على عدد كبير من الصحافيين العرب واللبنانيين تحديداً، وإن كانت فرص التدريب النفسي والجسدي مُتاحة للصحافيين الأجانب الذين يغطون الحروب ويسلكون دروب المخاطر من أجل القصص والسبق الصحفي، فإن الصحافي العربي يفعل ما بوسعه، بما قُدم له من سبل، لإيصال الصوت، بأوضح طريقة ممكنة.

لم يكن صباحٌ عادي، فبكل كلمة وحرف قرأته عن سجن صيدنايا في تقرير منظمة العفو الدولية الذي نُشر فجر الثلاثاء، ومع أنها ليست المرة الأولى، كانت تعود بي الذاكرة إلى عاميْ ٢٠١٣-٢٠١٤ لاستذكار مقابلات أجريتها مع عدد من السجناء السابقين، الذين نجحوا بالخروج أحياء من فروع صيدنايا والمزة وكفرسوسة وغيرها.

البعض لم أنجح بالتقرّب منهم، وآخرون صاروا أصدقاء، لليوم قصصهن حاضرة، يوم كتبت عن أساليب التعذيب، عن الترهيب النفسي، ربما كانت أعداد الضحايا أقل يومها، وربما القصص التي سمعناها من هؤلاء الشبان الذين نجحوا بالخروج، كانت قصص شبان تُركوا أحياء في الزنزانات مع أمل الخروج يوماً.. على الأرجح أن من كتبت عنهم يومها بات في عداد الأموات اليوم. ظننا حينها أننا بالكتابة عنهم، وعما يُخيّل لنا أنهم يتعرضوا له، ظننا أننا سنوصل قصصهم، وبالفعل قصصهم وصلت، ولو بعد حين، ١٣ ألف ضحية، إحصاء ورد في تقرير منظمة العفو الدولية، السجناء باتوا أرقام، وكم نحن محظوظون اليوم بأن من عرفناهم نجوا من أساليب تعذيب لا ترحم.

قبل أيام من نشر التقرير، راودني حلم غريب، ولا بد من القول بأن تلك الاحلام بحسب الطب النفسي تصنف كـعادية بالنسبة لنا، نحن الصحافيين، وكأننا مخلوقات من فولاذ، مهيئة لاستيعاب ويلات ما تكتب عنه. في الحلم رأيت شاحنات، ١٠ أو ٢٠ أو أكثر، عدد لا متناهي منها خرج من مستودع قريب وأنا على مسافة واحدة أترقّب بحذر، لألاحظ بعد ثوان قليلة أن ما في داخل الشاحنات هو جثث، جثث بالمئات، جثث تشبه تلك التي تنتشر صورها كل فترة على صفحات التواصل عن معتقلين لا نعرف أسماءهم. تقول والدتي أو رؤية الدماء تكسر الحلم، وهو ما حصل. انكسر الحلم ولكن مشهد الشاحنات المحملة بالجثث رسخ في ذاكرتي، إلى أن قرأت التقرير مقتل أكثر من ١٣ ألف سوري في سجن صيدنايا منذ اندلاع الصراع…”، هل رأيت للتو١٣ألف جثة؟ وهل كان للحلم معنى؟أم أن عقلي الباطن يقرر وبطريقته الخاصة تحضيري للقراءة والكتابة عن الموضوع؟

وفي حين كنت مستغرقة بتحليل الحلم، كتب صديقي أحمدوكأن هذا العالم لا يعرف ما صنعه الأسد على مدى 6 سنوات من عُمر الثورة السورية …” وقد صدَق فعلاً، حيث أن العالم والمجتمع الدولي قد أدار ظهره على ويلات ما يحصل في سوريا وسجونها ليأتي التقرير ويذكرنا بذلك. ولكن ماذا سيفعل العالم اليوم؟ لن يُعيد أحد للـ ١٣ ألف أرواحهم، هل عُرفت هوياتهم؟ هل عرفوا حتى أنهم في طريقهم إلى الموت؟ مع أي ذنب سيعيش العالم الذي فشل بإنقاذ أبسط من يمكن إنقاذ أرواحهم، وهل من نهاية سعيدة لما يحصل في سوريا؟ وهل احتجنا لرقم ١٣ ألف لنتحرّك  ونصرخ؟ متى يتغير الحلم، حلمي؟ وتكون تلك الشاحنات التي رأيتها، محملة بأغراض وأثاث منزلي ينتمي لعائلات سورية تتسابق للعودة إلى ديارها بعد انتهاء الحرب وإحقاق الحق، لنسابقهم نحن لإعادة إعمار ما دمرته الحرب معهم، هل من أمل؟ هل من أحلام سعيدة لسوريا؟

Pin It on Pinterest

Shares
Share This