حلّت السنة الجديدة وألقت بثقلها على كاهلنا، لا بدّ وأن تحمل لنا كعادتها، مغامرات بيروتية غير اعتيادية، أو هكذا نعتقد. فواقع ٢٠١٦ مغاير تماما، لذا سأُسميها سنة الوداعات، على الرغم من كون الوداع الأخير حصل في آب ٢٠١٥، إلا أن وقعه استمرّ لأشهر عديدة.

موعد الوداع الجديد قريب، أقل من أسبوع يفصلنا عن إيصال صديق آخر إلى مطار بيروت، قد أتجنّب المطار هذه المرة، فأنا، كغيري، سئمت الوداعات.

قال صديقي: “سيقيمون لي حفل وداع بسيط، سأحاول قضاء القليل من الوقت في بيروت خلال الأيام المعدودة المتبقية”، أكّدت له أنني سأتجنّب حفل الوداع، ودراما المطار، وأننا سنلتقي قريبا في بلد ما، على ضفة جسر ما، قد نحتسي قهوة لا تذكرنا ببيروت، وندخّن سيجارة باهظة الثمن، قد يحصل هذا فعلاً.

حاولت جاهدة إقناع نفسي بأن الوداع روتين غير ضروري، علينا أن ندّعي مراراً أنه وداع مؤقت، كوداعات القرية في نهاية عطلة الصيف، كالوداع الذي يلي السهرات الطويلة، أو وداع الزملاء الجامعيين حتى اللقاء في صف آخر، في فصل جامعيّ آخر.

بالعودة إلى صدقي، يغادرنا، يغادرني هو الآخر، كان ثالثنا، وبعدها سأبقى وحدي في بيروت، أرتاد القهوة التي سأحاول تجنها، كي لا تذكرني بأحد، سأتفادى سهرات سأفتقد خلالها وجودهما وأصوات ضحكاتهما.

بيروت لم تعد مألوفة بعد الوداعات المتكررة، في البداية، قررنا الصمود هنا، وما دفعنا إلى ذلك كان وصول عدد من أصدقاء سوريين إلى مدينتنا بعد أن خيّب أمن مدنهم آمالهم. بفضلهم، عرفنا وجهاً آخر لبيروت، مسيرة استمرت منذ عام ٢٠١٢ وحتى بداية عام ٢٠١٤. مرّت الأيام والفصول سريعاً لنجد أنفسنا أمام وداعات من نوع آخر، حيث قرر عدد لا بأس به منهم المغادرة نحو فرص أفضل، إلى أوروبا وتركيا وبلدان أُخرى، يومها كتبتُ عن افتقاد بيروت سهرات السمر الدمشقية والحمصية والحلبية التي لوّنت يومياتنا لمدة سنتيْن. كان وداعهم صعب، غادروا… عُدنا بعدها لنستقر مع أنفسنا.

أما عام ٢٠١٥، فحمل معه وداعات اللبنانيين، كُثر هم أصدقائي اللذين قرروا المغادرة، بعضهم غادر خلال سفري المؤقت، فلم تسنح لنا فرصة احتساء كأس أخير، إلا أن الفرحة تبقى واحدة، هم يغادرون بحثا عن فرص أفضل، فرص مستحقة، فرص قد لا تقدمها بيروت قريبا.

علّمتنا وداعات بيروت أن نتأقلم مع المتغيرات سريعاً، في مدينة يُقال أنها لا تعرف الحزن، علمتنا أن نعتاد على كل جديد، أن نتآلف مع كراسي المقاهي الفارغة، أو طاولات الحانات التي لم تعد تشبهنا بشيء، علمتنا وداعات بيروت أن نمسح دموعنا سريعاً ونعود إلى السهرة للمشاركة بالرقصة التالية، علّمتنا أيضاً أن نرتشف قهوتنا ببطئ شديد، وأن نستمتع بزحمة السير خلال تنقّلنا مع أصدقاء قد يغادرون مدينتهم قريباً، أو قد نغادرها نحن، فيفتقدوننا، كما نفتقدهم اليوم.

Pin It on Pinterest

Shares
Share This